“عُد إلى بلدك!”: الجدران تتكلم في فرنسا
خاص – نبض الشام
لم تعد مرسيليا، ثالث أكبر مدن فرنسا، مجرد وجهة سياحية تزخر بالزوار من مختلف أنحاء العالم، بل تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى ساحة نقاش علني بين مؤيد ورافض لتزايد الحضور السياحي.
العبارات الغاضبة التي تملأ جدران الأحياء الشعبية مثل “أيها السائح، عد إلى بلدك!” تكشف عن أزمة عميقة بين حاجة المدينة إلى موارد السياحة ورغبة السكان في الحفاظ على نمط حياتهم واستقرارهم. فما هي خلفيات الموقف الفرنسي في هذا الملف؟ وما الذي تخفيه الاحتجاجات المتصاعدة؟
الجدران تتكلم
في قلب مرسيليا، وجد بعض السكان في الكتابات الجدارية وسيلة للتعبير عن غضبهم. هذه الرسائل لم تمر مرور الكرام على السياح أنفسهم، إذ رأى عدد من السائحين أن “الغضب له ما يبرره، وعلى الزائر مسؤولية الحفاظ على المكان”. وآخرون يعتبرون أن الأمر لا يصل إلى حدّ طرد السياح من المدينة، بل يحتاج إلى تنظيم أوضح وأكثر توازنًا.
صراع يومي
القطاع السياحي يعدّ ركيزة أساسية لاقتصاد مرسيليا، لكنه أفرز آثاراً جانبية ثقيلة. في حي بانييه، أحد أقدم أحياء المدينة وأكثرها جذبًا للزوار، يشتكي السكان من الضوضاء والازدحام، إضافة إلى أزمة الإيجارات.
ويؤكد العديد من السكان أن “واحدًا من كل سبعة منازل مخصص للإيجار السياحي”، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وهجرة عدد من الأسر نحو ضواحي أقل تكلفة.
مرسيليا تنفي “السياحة المفرطة”
في المقابل، تسعى بلدية مرسيليا إلى التقليل من حجم المخاوف. نائب رئيس البلدية المكلف بالسياحة المستدامة، جان بيير كوشيه، شدد على أن ما يجري ليس حركة جماهيرية منظمة، بل حوادث فردية، مؤكدًا أن مرسيليا “لا تعاني من سياحة مفرطة”. ومع ذلك، أقرت البلدية حزمة من الإجراءات أهمها تشديد القيود على الإيجارات الموسمية، في محاولة للحد من استغلال المنصات الرقمية مثل Airbnb التي ساهمت في تعقيد المشهد.
الموقف الرسمي
خلف هذه السياسات يقف توجه فرنسي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين السياحة والمجتمع المحلي. رئيس البلدية بينوا بايان يدفع نحو قوانين أكثر صرامة لتنظيم القطاع وضمان ألا يدفع السكان ثمن ازدهار السياحة. الموقف الفرنسي لا يهدف إلى وقف تدفق الزوار، بل إلى وضع قواعد توازن بين العوائد الاقتصادية وحق السكان في حياة كريمة ومستقرة.
خفايا!
تكشف أزمة مرسيليا عن خفايا القرار الفرنسي حيال السياحة، حيث لم يعد النقاش يدور حول أعداد السياح فقط، بل حول طبيعة وجودهم وأثرهم المباشر على الحياة اليومية للسكان. ومع تزايد الضغوط، تبدو فرنسا أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على جاذبيتها كوجهة عالمية، من دون أن تفقد مدنها هويتها وروحها؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




